الشيخ السبحاني

130

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

أولا ؟ » « 1 » . أقول : إنّ تمني الرؤية والإبصار بغير المقابلة والجهة مع تحققها بالعيون والأبصار ، أشبه بتمني وجود الشيء مع التأكيد على عدمه ، وهذا نظير أن يقال حقيقة المربع عبارة عن وجود أضلاع متصلة ، فهل يمكن أن تتحقق تلك الهيئة بدون الأضلاع « 2 » . ومن أمعن النظر في كتب الأشاعرة خصوصا القدامى منهم ، وبالأخص كتب أهل الحديث ، والحنابلة ، يرى أنهم يفرون من هذه المحاولات ولا يرون لها قيمة في أوساطهم ، وهم يتمسكون بالروايات وما استظهروه من الآيات ويحكمون بالرؤية الحقيقية كرؤية القمر . قال الشيخ الأشعري في الإبانة : « وندين بأنّ اللّه تعالى يرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر ، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) » « 3 » . وقال في اللمع : « إن قال قائل : لم قلتم إنّ رؤية اللّه بالأبصار جائزة من باب القياس . قيل له : قلنا ذلك لأنّ ما لا يجوز أن يوصف به اللّه تعالى ويستحيل عليه ، لا يلزم في القول بجواز الرؤية » « 4 » .

--> ( 1 ) شرح التجريد للقوشجي ، ص 428 . ( 2 ) وقد جمع الأستاذ حفظه اللّه مجلس مع بعض فضلاء الشام فانجرّ البحث إلى إمكان الرؤية فقال الشيخ الأستاذ : إنّ تجويز الرؤية يستلزم تجويز المقابلة والجهة . فقال الشامي : كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا . فأجابه : ما ذا تريد من كلامك « كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا » ، فهل تريد أن الأشياء الدنيوية توجد في الآخرة بوجودات كاملة ، فهذا ما نعترف به . وإن أردت أنّ الأشياء الأخروية تضاد ماهياتها وحدودها ، الموجود في الدنيا ، فهذا مما لا يمكن التصديق به . فإنّ نتيجة ضرب اثنين في اثنين هو أربعة لا خمسة ، ولا يمكن تكذيب هذه القضية بحجة أنّ كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا . فإنّ هناك قضايا قطعية وعلوما ضرورية صادقة في النشأتين من دون أن يختص امكانها بواحدة منهما . فالدور والتسلسل محالان في الدنيا والآخرة ، وقاعدة كل ممكن يحتاج إلى علّة صادقة في كلتا النشأتين فالتمسك بهذا الكلام نوع فرار من البحث والتحقيق . ( 3 ) الإبانة ، ص 21 . ( 4 ) اللمع ، ص 61 بتلخيص .